أحمد ياسوف
162
دراسات فنيه في القرآن الكريم
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ [ الحاقة : 11 ] ، وقد انتبه البلاغيون القدامى إلى الطابع الانزياحي لكلمة « طغا » وأن حقيقتها علا ، ونوّهوا ببلاغة هذه الاستعارة من غير تفصيل « 1 » . فالطغيان صفة إنسانية وفائدتها في هذا المقام تبيان الهيمنة الإلهية على الموجودات وفي سياق بيان النعمة دعوة إلى الاستعداد لهيجان الطبيعة ، لتعود إلى مهمتها التسخيرية ، والملحوظ أن الإفراد في الماء يبين علو الذات وتضخمها حتى تغدو عدوا واحدا كافيا بضخامته لكسر الآخرين ، وهذا لا يكون في قولنا : طغت المياه . ومن الصفات النفسية الخيانة ، وقد انتبه القدامى إلى بلاغة قوله عز وجل : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ [ غافر : 19 ] وعدوه من الفرائد ، وكأنهم لحظوا جدة التعبير الإضافية ، إذ أضيف اسم الفاعل الدال على الحركة المستمرة خائِنَةَ إلى « الأعين » ، ومثله قوله عز وجل : وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ [ المائدة : 13 ] ، وإفراد كلمة الخيانة تحفز على الحذر الشديد لمعرفة العين الخائنة واستبعاد صاحبها ، فالمنافقون قلة على خطورتهم ، وكأنما يتفشى هذا الطبع الخبيث ليمتد في الجسد كله حتى يرتسم على العين بل يطبعها بطابعه ، ويجعل لها صفة بشرية وكأن المنافق هنا لا يكتفي بقدرة بشرية شريرة واحدة ، بل يسعى إلى تجنيد كل حواسه وجعلها أشخاصا خونة معه . ومن شواهد هذا التشخيص الذي لم ينتبه إليه الدارسون قوله عز وجل : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [ المائدة : 48 ] ، وكأنما وجدوا في « مهيمنا » حرفية وكلاما
--> ( 1 ) انظر مثلا ، قول الرماني في ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص 80 ، والصناعتين ، ص 271 ، والفوائد ، للإمام ابن قيم الجوزية ، ص 48 .